أبواب السماء وظلمة الفضاء2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أبواب السماء وظلمة الفضاء2

مُساهمة من طرف ابن السلف في الإثنين يناير 07, 2008 5:01 am

أبواب السماء وظلمة الفضاء

د.زغلول النجار

اللمحة الإعجازية الثالثة:
وقد وردت في قول الحق -تبارك وتعالى-: ﴿ لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ ﴾ ومعنى ﴿ سُكّرَتْ أَبْصَارُنَ﴾ أُغْلِقَتْ عيوننا وسدت، أو غشيت وغُطِّيَتْ لتمنع من الإبصار، وحينئذ لا يرى الإنسان إلا الظلام، ويعجب الإنسان لهذا التشبيه القرآني المعجز الذي يمثل حقيقة كونية لم يعرفها الإنسان إلا بعد نجاحه في ريادة الفضاء منذ مطلع الستينيات من هذا القرن حين فوجئ بحقيقة أن الكون يغشاه الظلام الدامس في غالبية أجزائه، وأن حزام النهار في نصف الكرة الأرضية المواجه للمشمس لا يتعدى سمكه مائتي كيلومتر فوق مستوى سطح البحر، وإذ ارتفع الإنسان فوق ذلك فإنه يرى الشمس قرصا أصفر في صفحة سوداء حالكة السواد، لا يقطع حلوكة سوادها إلا بعض البقع الباهتة الزرقة في مواقع النجوم.

وإذا كان الجزء الذي يتجلى فيه النهار على الأرض محدودا في طوله وعرضه بنصف مساحة الكرة الأرضية، وفي سمكه بمائتي كيلومتر، وكان في حركة دائمة مرتبطة بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس، وكانت المسافة بين الأرض والشمس في حدود المائة وخمسين مليون كيلومتر، وكان نصف قطر الجزء المدرك من الكون يقدر بثمانية عشر بليون سنة ضوئية(أي ما يســاوي 171×10 21 كيلومتر)، اتضحت لنا ضآلة سمك الطبقة التي يعمها ضوء النهار، وعدم استقرارها لانتقالها باستمرار من نقطة إلى أخرى على سطح الأرض مع دوران الأرض حول محورها، واتضح لنا أن تلك الطبقة الرقيقة تحجب عنا ظلام الكون، خارج حدود أرضنا ونحن في وضح النهار، فإذا جن الليل انسلخ منه النهار، واتصلت ظلمة الكون، وتحركت تلك الطبقة الرقيقة من الضوء الأبيض لتفصل نصف الأرض المقابل عن تلك الظلمة الشاملة التي تعم الكون كله.

وتجلى النهار على الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض (بسمك مائتي كيلومتر فوق سطح البحر) بهذا اللون الأبيض المبهج الذي هو نعمة كبرى من نعم الله على العباد، وتفسر بأن الهواء في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض له كثافة عالية نسبيا، وأن كثافته تتناقص بالارتفاع حتى لا تكاد تدرك، وأنه مشبع ببخار الماء وبهباءات الغبار التي تثيرها الرياح من فوق سطح الأرض فتعلق بالهواء، وتقوم كل من جزيئات الهواء الكثيف نسبيا، وجزيئات بخار الماء، والجسيمات الدقيقة من الغبار بالعديد من عمليات تشتيت ضوء الشمس وعكسه حتى يظهر باللون الأبيض الذي يميز النهار كظاهرة نورانية مقصورة على النطاق الأسفل من الغلاف الغازي للأرض في نصفها المواجه للشمس.

وبعد تجاوز المائتي كيلومتر فوق سطح البحر يبدأ الهواء في التخلخل لتضاؤل تركيزه، وقلة كثافته باستمرار مع الارتفاع، ولندرة كل من بخار الماء وجسيمات الغبار فيه لأن نسبها تتضاءل بالارتفاع حتى تكاد أن تتلاشى، ولذلك تبدو الشمس وغيرها من نجوم السماء بقعا زرقاء باهتة في بحر غامر من ظلمة الكون لأن أضواءها لا تكاد تجد ما يشتته أو يعكسه في فسحة الكون.

فسبحان الذي أخبرنا بهذه الحقيقة الكونية قبل اكتشاف الإنسان لها بألف وأربعمائة سنة، فشبه الذي يعرج في السماء بمن سكر بصره فلم يعد يرى غير ظلام الكون الشامل، أو بمن اعتراه شيء من السحر فلم يعد يدرك شيئًا مما حواليه، وكلا التشبيهين تعبير دقيق عما أصاب رواد الفضاء الأوائل حين عبروا نطاق النهار إلى ظلمة الكون فنطقوا بما يكاد أن يكون تعبير الآية القرآنية ـ دون علم بها: ﴿ ِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ ﴾.

اللمحة الإعجازية الرابعة:
وتتضح في قوله تعالى: ﴿ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾.
فالتعبير اللغوي {ظلوا} يشير إلى عموم الإظلام وشموله وديمومته بعد تجاوز طبقة النهار لى نهاية الكون، بمعنى أن الإنسان إذا عرج إلى السماء في وضح النهار فإنه يفاجأ بظلمة الكون الشاملة تحيط به من كل جانب مما يفقده النطق أحيانا أو يجعله يهذي بما لا يعلم أحيانا أخرى من هول المفاجأة.

ومن الأمور التي تؤكد على ظُلْمة الكون الشاملة أن باطن الشمس مظلم تماما على الرغم من أن درجات الحرارة فيه تصل إلى عشرين مليون درجة مئوية وذلك لأنه لا ينتج فيه سوى الإشعاعات غير المرئية من قبل أشعة جاما، والإشعاعات فوق البنفسجية والسينية.


تظهر النسبية العامة بأن الضوء يجب أن ينحى تحت تأثير حقول الجاذبية، والشكل يوضح كيف أن كتلة الشمس (A) تشوه النسيج الزماني-المكاني "الزمكاني" القريب منها مما يجعل الضوء الصادر من نجم بعيد ( ينعطف حين مروره بالقرب من الشمس هذا الأمر يؤدي إلى أن المراقب من الأرض © يتوهم أن موقع النجم هو (D) بدلا من (.

أما ضوء الشمس الذي نراه من فوق سطح الأرض فلا يصدر إلا عن نطاقها الخارجي فقط والذي يعرف باسم «النطاق المضيء» (Photosphere)، ولا يرى بهذا الوهج إلا في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض، وفي نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس.

اللمحة الإعجازية الخامسة:
وتتضح في إشارة الآيتين الكريمتين إلى الرقة الشديدة لغلالة النهار وذلك في قول الحق -تبارك وتعالى- ﴿ولو فتحنا … لقالوا …﴾ بمعنى أن القول بتسليم العيون وظلمة الكون الشاملة تتم بمجرد العروج لفترة قصيرة في السماء، ثم تظل تلك الظلمة إلى نهاية الكون، وقد أثبت العلم الحديث ذلك بدقة شديدة، فإذا نسبنا سمك طبقة النهار إلى مجرد المسافة بين الأرض والشمس لاتضح لنا أنها تساوي
200 كيلومتر/ 150000000 كيلومتر= 1/75000 تقريباً.

فإذا نسبناها إلى نصف قطر الجزء المدرك من الكون اتضح أنها لا تساوي شيئًا البتة، وهنا تتضح روعة التشبيه القرآني في مقام آخر يقول فيه الحق ـ تباك وتعالي: ﴿وَآيَةٌ لّهُمُ الْلّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النّهَارَ فَإِذَا هُم مّظْلِمُونَ﴾["يس: 37].

حيث شبه انحسار طبقة النهار البالغة الرقة من ظلمة كل من ليل الأرض وليل السماء بسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها، مما يؤكد على أن الظلام هو الأصل في الكون. وأن النهار ليس إلا ظاهرة نورانية عارضة رقيقة جدًّا.. لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وفي نصفها المواجه للشمس في دورة الأرض حول نفسها أمام ذلك النجم، وبتلك الدورة ينسلخ النهار تدريجيا من ظلمة كل من ليل الأرض وحلكة السماء كما ينسلخ جلد الذبيحة عن جسدها.

وفي تأكيد ظلمة السماء يقرر القرآن الكريم في مقام آخر قول الحق -تبارك وتعالى-: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَ﴾ [النازعات: 27 ـ 29]. ( والضمير في ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَ﴾ عائد على السماء، بمعنى أن الله تعالى قد جعل ليل السماء حالك السواد من شدة إظلامه، فهو دائم الإظلام سواء اتصل بظلمة ليل الأرض (في نصف الكرة الأرضية الذي يعمه الليل)، أو انفصل عن الأرض بتلك الطبقة الرقيقة التي يعمها نور النهار (في نصف الأرض المواجه للشمس) فيصفه ربنا -تبارك وتعالى- بقوله: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَ﴾ أي أظهر ضوء شمس السماء لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض بالنور والدفء معا أثناء نهار الأرض، والضحى هو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر ضوءها جلياً للناس، بينما يبقى معظم الكون غارقًا في ظلمة السماء.

ويؤكد هذا المعنى قسم الحق -تبارك وتعالى-، وهو الغني عن القسم ـ بالنهار إذ يجلي الشمس أي بكشفها وبوضوحها فيقول -عز من قائل-: ﴿وَالشّمْسِ وَضُحَاهَا ﴿1﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا ﴿2﴾ وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا ﴿3﴾ وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾[الشمس: 1 ـ 4].
أي أن النهار هو الذي يجعل الشمس واضحة جلية لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض، وهذه لمحة أخرى من لمحات الإعجاز العلمي في كتاب الله تقرر أن نور الشمس لا يرى إلا في نهار الأرض وأن الكون خارج نطاق نهار الأرض ظلام دامس، وأن هذا النطاق النهاري لابد وأن به من الصفات ما يعينه على إظهار وتجلية ضوء الشمس للذين يشهدونه من أحياء الأرض.

فسبحان الذي أنزل القرآن بالحق، أنزله بعلمه، وجعله معجزة خاتم أنبيائه ورسله، في كل أمر من أموره، وفي كل آية من آياته، وفي كل إشارة من إشاراته، وفي كل معنى من معانيه، وجعله معجزة أبدية خالدة على مر العصور، لا تنتهي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي شرفه ربه -تبارك وتعالى- ـ بوصفه أنه لا ينطق عن الهوى فقال -عز من قائل-: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ. إِنْ هُوَ إِلاّ وحي يوحى. علمه شديد القوى﴾[النجم:5]
avatar
ابن السلف

عدد الرسائل : 27
العمر : 37
تاريخ التسجيل : 07/12/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى